الذهبي

345

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وانقلب البلد بالسّرور وحُمِد الله وثارت الأحداث والشُّطّار في الحال بالسّيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم ، ومن يتهم بمذهبهم ، وتتبعوهم حتى أَفْنَوْهم ، وامتلأت الطُرُق والأسواق بجِيَفهم ، وكان يومًا مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهله ، وأُخِذ جماعةٌ أعيانٌ منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصَائغ الباطنيّ الحلبيّ ، وكان هذا الخادم رأس البلاء ، فعوقب عقوبة شَفَت القلوب ، ثمّ صُلِب هو وجماعة على السُّور . وبقي حاجب دمشق يوسف فيروز ، ورئيس دمشق أبو الذّواد مفرج بن الحسن ابن الصّوفيّ يلبسان الدّروع ، ويركبان وحولهما العبيد بالسّيوف ، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنية . ولمّا سمع إسماعيل الدّاعي وأعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلُّوا ، وسلَّم إسماعيل بانياس إلى الفرنج ، وتسلل هو وطائفته إلى البلاد الإفرنجية في الذلة والقلة ، ثمّ مرض إسماعيل بالإسهال ، وهلك في أوائل سنة أربعٍ وعشرين ، فلما عرف الفرنج بواقعة الباطنيَّة ، وانتقلت إليهم بانياس ، قويت نفوسهم ، وطمعوا في دمشق ، وحشدوا وتألّبوا ، وتجمّعوا من الرُّها ، وأنطاكّية ، وطرابُلُس ، والسّواحل ، والقدس ، ومن البحر ، وعليهم كُنْدهر الّذي تملّك عليهم بعد بغدوين ، فكان نحوًا من ستين ألفًا ، من بين فارسٍ وراجل ، فتأهّب تاج الملوك بوري ، وطلب التُّرْكُمان والعرب ، وأنفق الخزائن ، وأقبل الملاعين قاصدين دمشق ، فنزلوا على جسر الخشب والميدان في ذي القعدة من السّنة ، وبرز عسكر دمشق ، وجاءت التركمان والعرب ، وعليهم الأمير مري بن ربيعة وتعبّوا كراديسٍ في عدَّة جهات ، فلم يبرز أحد من الفرنج ، بل لزِموا خيامهم ، فأقام الناس أيّامًا هكذا ، ثمّ وقع المَصَافّ ، فحمل المسلمون ، وثبت الفرنج ، فلم يزل عسكر الإسلام يكرّ عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخُذلوا ، ثمّ ولّى كليام مقدَّم شجعانهم في فريقٍ من الخّيالة ، ووضع المسلمون فيهم السّيف ، وغُودروا صَرْعَى ، وغنم المسلمون غنيمة لَا تُحَدّ ولا توصف ، وهرب جيش الفرنج في اللّيل ، وابتهج الخلْق بهذا الفتح المبين .